ابراهيم بن عمر البقاعي
20
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
مرة ، على أنه جمع فتن أو فتنة ، على ترك الاعتداد بالتاء ، ويجوز أن يكون مصدرا كالشكور ، إذن الفتون ولادته عام الذبح وإبقاؤه في البحر ثم منعه الرضاع من غير ثدي أمه ثم جره لحية فرعون ، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة ، ثم قتله القبطي ، ثم خروجه إلى مدين في الطريق الهيع خائفا يترقب ، ثم إيجار نفسه عشر سنين ، ثم إضلاله الطريق ، ثم تفرق غنمه في ليلة مظلمة فَلَبِثْتَ سِنِينَ أي كثيرة فِي أَهْلِ مَدْيَنَ مقيما عند نبينا شعيب عليه السّلام يربيك بآدابه ، وصاهرته على ابنته ثُمَّ جِئْتَ أي الآن عَلى قَدَرٍ أي وقت قدّرته في الأزل لتكليمي لك ، وهو بلوغ الأشد والاستواء ، وإرسالك إلى فرعون لأمضي فيه قدري الذي ذبح أبناء بني إسرائيل خوفا منه ، فجئت غير مستقدم ولا مستأخر يا مُوسى * وَاصْطَنَعْتُكَ أي ربيتك بصنائع المعروف تربية من يتكلف تكوين المربي على طريقة من الطرائق لِنَفْسِي * أي لتفعل من مرضاتي في تمهيد شرائعي وإنفاذ أوامري ما يفعله من يصنع للنفس من غير مشارك ، فهو تمثيل لما حوله من منزلة التقريب والتكريم . فلما تمهد ذلك كله بعد علم نتيجته ، أعادها في قوله : اذْهَبْ أَنْتَ كما تقدم أمري لك به وَأَخُوكَ كما سألت بِآياتِي التي أريتك وغيرها مما أظهره على يديك وَلا تَنِيا أي تفترا وتضعفا فِي ذِكْرِي * الذي تقدم أنك جعلته غاية دعائك ، بل لتكن - مع كونه ظرفا محيطا بجميع أمرك - في غاية الاجتهاد فيه وإحضار القلب له ، وليكن أكثر ما يكون عند لقاء فرعون أن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه ، فإن ذلك أعون شيء على المراد ، ثم بين المذهوب إليه بقوله ، مؤكدا لنفس الذهاب لأنه لشدة الخطر لا يكاد طبع البشر يتحقق جزم الأمر به فقال : اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ ثم علل الإرسال إليه بقوله ، مؤكدا لما مضى ، ولزيادة التعجيب من قلة عقله ، فكيف بمن تبعه إِنَّهُ طَغى * ثم أمرهما بما ينبغي لكل آمر بالمعروف من الأخذ بالأحسن فالأحسن والأسهل فالأسهل ، فقال مسببا عن الانتهاء إليه ومعقبا : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لئلا يبقى له حجة ، ولا يقبل له معذرة لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ ما مر له من تطوير اللّه له في أطوار مختلفة ، وحمله فيما يكره على ما لم يقدر على الخلاص منه بحيلة ، فيعلم بذلك أن اللّه ربه ، وأنه قادر على ما يريد منه ، فيرجع عن غيّه فيؤمن أَوْ يَخْشى * أي أو يصل إلى حال من يخاف عاقبة قولكما لتوهم الصدق فيكون قولكما تذكرة له فيرسل معكما بني إسرائيل ، ومعنى الترجي أن يكون حاله حال من يرجى منه ذلك ، لأنها من ثمرة اللين في الدعاء ، جرى الكلام في هذا وأمثاله على ما يتعارفه العباد في محاوراتهم ، وجاء القرآن على لغتهم وعلى ما يعنون ، فالمراد : اذهبا أنتما على رجائكما